تجربة صغيرة ربما جرّبتها من قبل. تتوقف أسبوعاً كاملاً عن إرسال الرسائل. لا تقترح لقاءً، ولا تسأل "كيف حالك"، ثم تراقب من سيتذكرك من تلقاء نفسه.
أغلب من يجرون هذه التجربة يعرفون النتيجة مسبقاً. صمت. ثلاثة أيام، خمسة، أسبوع. مجموعات المراسلة نشطة بالصور والتعليقات، لكن لا أحد يكتب لك أنت تحديداً. وهنا تظهر الجملة التي ربما أوصلتك إلى هذا المقال: "هل أنا وحدي من يحافظ على هذه الصداقة؟"
هذا المقال لهذا السؤال بالضبط. والجواب ليس "نعم، الجميع مزيّف". الجواب أكثر إثارة للاهتمام، وتدعمه أرقام.
الدراسة: نصف الصداقات أحادية الجانب، ولا أحد يعرف
في عام 2016 نشر فريق من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا بقيادة عبد الله المعتوق دراسة في مجلة PLOS ONE عنوانها سؤال: هل أنت صديق أصدقائك؟ طلب الباحثون من 84 طالباً في صف واحد أن يقيّم كل منهم مدى قربه من كل زميل، على مقياس من صفر إلى خمسة. أي تقييم فوق الاثنين اعتُبر "صداقة". النتيجة 775 صداقة معلنة.
ثم قارن الباحثون الطرفين. إذا سمّى أحمد خالداً صديقاً، فهل سمّى خالد أحمد صديقاً؟
في 53 بالمئة من الحالات فقط. أي أن نصف الصداقات تقريباً كانت موجودة في رأس شخص واحد لا في رأس الطرفين.
والنتيجة الثانية أهم. سأل الباحثون كل مشارك أيضاً: "هل تظن أن الطرف الآخر يعتبرك صديقاً؟" أجاب 94 بالمئة بنعم. أي أن الجميع تقريباً كان يفترض أن الصداقة متبادلة، ونصفهم كان مخطئاً. وللتأكد من أن الأمر ليس خاصاً بصف واحد، أعاد الفريق التحليل على خمس مجموعات بيانات أخرى، فتراوحت نسبة التبادل بين 34 و53 بالمئة.
إذاً، إن كنت تشعر أنك تبذل جهداً أكبر، فالأبحاث تقول إنك على الأرجح محق. لكنها تقول أيضاً إن هذه ليست مشكلتك وحدك. هذا هو الهيكل الطبيعي للصداقة. حتى الأشخاص الواثقون المحاطون بالناس، نصف قوائمهم أسماء لن ترد عليهم بالمثل. لكنهم لا يلاحظون، لأنهم في الطرف المستقبِل.
كيف تنشأ فجوة المبادرة
هنا يقع أكثر الناس في الخطأ الأكبر: يترجمون الجهد أحادي الجانب إلى "هو لا يهتم بي". في أغلب الحالات هذه ترجمة خاطئة. الأسباب الحقيقية غالباً هي التالية.
1. الأدوار تتجمد
في كل مجموعة شخص واحد يخطط. هو من يذكّر بالمناسبات، ومن يكتب "نلتقي الجمعة؟"، ومن يبحث عن المطعم. إن كنت ذلك الشخص، فالبقية يتحولون تدريجياً إلى ركاب. ليس لأنهم أنانيون، بل لأن المقعد مشغول أصلاً. حين يكون السائق موجوداً دائماً، لا يتعلم أحد الإمساك بالمقود.
2. الجميع يظن أن الرسالة "أمر كبير"
في عام 2022 نشرت بيغي ليو وفريقها في مجلة Journal of Personality and Social Psychology ثلاث عشرة تجربة خلصت إلى نتيجة واحدة: الناس يقلّلون كثيراً من تقدير أثر رسالة قصيرة "كيف حالك" على من يستقبلها. كل طرف يفكر: "لماذا أزعجه الآن؟ لا بد أنه مشغول". والنتيجة صمت من الجهتين، وكل طرف يظن أن الآخر نسيه.
كثير من أصدقائك الذين لا يبادرون عالقون في هذه الفجوة تحديداً. هم يهتمون بك. لكنهم لا يظنون أن رسالتهم ستعني لك شيئاً.
3. مرحلة الحياة اختلفت
أنت تسكن وحدك في دبي وعطلة نهاية الأسبوع فارغة أمامك. صديقك في أبوظبي لديه طفلان وشركة ناشئة ووالدان يزورهما كل جمعة. لديك سعة للرسائل أكبر من سعته. هذه ليست فجوة جهد بل فجوة سعة. تبدوان متشابهتين، لكن الحل مختلف. تحدثنا عن ذلك في كيف تحافظ على صداقاتك وسط حياة مزدحمة في الإمارات.
4. التدفق "إلى الأعلى"
هذه أكثر نتائج دراسة MIT إزعاجاً. الصداقات أحادية الجانب تتدفق غالباً في اتجاه واحد: من الشخص الأقل مركزية في المجموعة نحو الشخص الأكثر مركزية. الزميل المحبوب في المكتب موجود في قائمة عشرة أشخاص، وفي قائمته هو ثلاثة أسماء فقط. إن كنت تبذل جهدك دائماً نحو من يبدون "أكثر نجاحاً" أو "أكثر شعبية" منك، فربما كنت تراسل إلى الأعلى.
ما نراه على منصتنا
على StrangerChat يلتقي شخصان، ويتحدثان، ثم يرسل أحدهما طلب صداقة. لاحظنا أن من يرسل الطلب ليس غالباً من يتحدث أكثر بعد ذلك. يُقبل الطلب، لكن كثيراً من الطلبات المقبولة تصمت خلال أسبوع. لأن القبول كان مجاملة، لا نيّة.
أما الصداقات التي تبقى نشطة بعد أشهر، فتشترك في شيء واحد يظهر مبكراً: المبادرة تأتي من الطرفين. ليست متساوية، فلا أحد يعدّ. لكن ليس هناك شخص واحد يبدأ الحديث دائماً. وهذا النمط يتنبأ ببقاء الصداقة أكثر مما يتنبأ به طول المحادثة الأولى أو حجم الاهتمامات المشتركة.
الأبحاث والمنصة تقولان الشيء نفسه. الجهد أحادي الاتجاه يبدو صداقة لمن يبذله. الجهد ثنائي الاتجاه هو وحده ما يبقى.
اختبار الأشهر الثلاثة
الآن الجزء العملي. اخرج من "أشعر أن" وانظر إلى البيانات. افتح هاتفك وتصفح محادثات الأشهر الثلاثة الماضية. لكل شخص تسمّيه صديقاً، سؤال واحد:
خلال الأشهر الثلاثة الماضية، هل تحرّك هذا الشخص نحوي دون أن أدفعه إلى ذلك؟
ليس رداً. بل تحركاً. رسالة لم تكن جواباً على رسالتي. دعوة لم أطلبها. مقطع أرسله مع "تذكرتك". سؤال عن شيء ذكرته قبل أسابيع. أي شيء بدأه هو بنفسه.
عدّ بصدق. ستنقسم قائمتك إلى ثلاثة أقسام:
- من يبادرون من تلقاء أنفسهم. هؤلاء صداقاتك المتبادلة الحقيقية. الدراسة تقول إنهم نحو نصف القائمة. وربما ليسوا الأسماء التي توقعتها.
- من يردّون فقط. إن راسلتهم ردّوا بحرارة، لكنهم لا يكتبون أولاً أبداً. هذه فئة "الاتجاه الأعلى". ليست صفراً، لكنها ليست ما ظننته.
- من لا يفعلون أياً من الاثنين. لم تتحدثا منذ عام. هذه ليست صداقة، بل ذكرى صداقة.
هدف الاختبار ليس حذف القسمين الثاني والثالث. الهدف أن تتوقف عن بذل الجهد نفسه على الثلاثة. من يشعرون بالوحدة يضعون طاقتهم الاجتماعية المحدودة في القسم الثاني، لأنه يبدو الأهم. ولا يعود شيء، لأن تلك بالذات هي الروابط التي تتدفق إلى الأعلى.
ماذا تفعل الآن
ضاعف جهدك في القسم الأول. نصيحة مملة، لكنها الأكثر فاعلية. من يبادرون نحوك أصلاً، حتى لو بدوا أقل "إثارة"، امنحهم وقتاً أكبر. صداقة متبادلة بدرجة سبعة من عشرة أفضل من صداقة بدرجة عشرة موجودة في قائمتك وحدك. وإن أردت أن تعرف كيف تميّز هؤلاء، فاقرأ علامات الصديق الجيد.
امنح شخصاً واحداً من القسم الثاني فرصة واضحة. إن كان هناك من تريد إبقاءه حقاً، فلك حركة مباشرة واحدة. لا تسأل "هل نحن أصدقاء؟" فلا جواب لذلك. قدّم عرضاً يتطلب منه أن يبادر بشيء: "أنا متفرغ مساء الخميس طوال هذا الشهر، اختر أي خميس وسآتي إلى منطقتك". إن اختار يوماً، عرفت شيئاً. وإن قال "أكيد، قريباً" ولم يفعل، عرفت شيئاً أيضاً. وتستطيع أن تتوقف عن التفكير.
أوقف اختبار الصمت. تجربة "لن أراسل أحداً لأسبوع لأرى من يتذكرني" ليست اختباراً بل فخ. الصديق الذي لا يعرف أن هناك اختباراً سيرسب فيه، لأنه بحسب أبحاث ليو يظن أن رسالته ليست مهمة لك. ستحصل على صمت وتعتبره دليلاً.
اترك مقعد المخطِّط فارغاً، لكن أعلن ذلك. إن كنت من يخطط دائماً، قل للمجموعة بوضوح مرة واحدة: "هذه المرة ليخطط أحد غيري، أنا متاح لكنني لن أنظّم". ثم لا تنظّم فعلاً. سيكون الأمر محرجاً. في المرة الأولى ربما لا يحدث لقاء أصلاً. في الثانية أو الثالثة سيمسك أحدهم بالمقود، لأن المقعد صار فارغاً.
انظر أيضاً في قائمة من تكون أنت فيها. الفجوة تعمل في الاتجاهين. هناك شخص أنت في قائمته ولست في قائمتك. زميل العمل الذي يدعوك دائماً إلى الغداء وتقول "سأرى". الجار الذي يسلّم عليك في كل مرة ويسأل عن أحوالك. إن كنت تشعر بالوحدة، فهؤلاء فرصة حقيقية تتجاهلها لأنهم لم يبدوا "مهمين" بما يكفي.
متى يكون تقليل الجهد هو القرار الصحيح
جملة واحدة للتوضيح، لأن هذا المقال ليس دعوة إلى "اترك الجميع". الجهد أحادي الجانب ليس بحد ذاته علامة على علاقة ضارة. في أغلب الحالات هو فجوة سعة، أو أدوار متجمدة، أو تردد في المراسلة، وكلها قابلة للإصلاح.
يصبح تقليل الجهد صحيحاً حين لا يظهر أي تحرك تلقائي خلال اختبار الأشهر الثلاثة، وحين تقدّم عرضاً واضحاً ولا يُتابَع، وحين تشعر بعد كل رسالة بأنك أصغر لا أفضل. عندها انقل هذا الشخص إلى القسم الثالث. بلا مواجهة ولا حظر، بل بإعادة توجيه الجهد. وإن كان الأمر يتعلق بحدود تُتجاوز لا بمجرد فتور، فلدينا دليل عن كيف تضع حدوداً صحية في الصداقة. ضع تلك الطاقة في القسم الأول، أو في شخص جديد. الصداقات الجديدة تبدأ من حيث تأتي الرسالة الأولى من الطرفين، سواء في نشاط منتظم أو عبر منصة تعتمد الإشراف وتحترم خصوصيتك ومخصصة للبالغين من 18 عاماً فأكثر.
في الختام
رقم 53 بالمئة يبدو محزناً عند سماعه أول مرة. أنا أراه راحة. معناه أنك لا تحتاج إلى خمسة عشر صديقاً. تحتاج أن تعرف أي أربعة أو خمسة منهم متبادلون حقاً، وأن تتوقف عن اعتبار العشرة الآخرين ما ليسوا عليه. من لديه أربعة أصدقاء متبادلين ونظرة واضحة أقل وحدة بكثير ممن لديه خمسة عشر اسماً وقائمة لم يوقّع عليها أحد غيره.
أسئلة شائعة
هل الصداقة أحادية الجانب أمر طبيعي؟ نعم. في دراسة MIT عام 2016 كانت 53 بالمئة فقط من الصداقات متبادلة، بينما ظن 94 بالمئة من المشاركين أن صداقاتهم متبادلة. كون نصف الصداقات من طرف واحد هو الهيكل الطبيعي للصداقة لا نقصاً شخصياً فيك.
كيف أعرف أن صديقي يعتبرني صديقاً فعلاً؟ انظر إلى الأشهر الثلاثة الماضية: هل أرسل رسالة أو دعوة أو متابعة دون أن تدفعه؟ الردود الودودة وحدها ليست دليلاً. التحرك التلقائي هو الإشارة الحقيقية.
لماذا لا يبادر أصدقائي أبداً بالتواصل؟ تقول الأبحاث إن الناس يقلّلون كثيراً من تقدير أثر رسالتهم القصيرة على الطرف الآخر، فيصمتون خشية الإزعاج. وإن كنت أنت من يخطط دائماً، فالبقية يتحولون إلى ركاب.
هل أتوقف عن المراسلة لأرى من يتذكرني؟ لا. اختبار الصمت فخ؛ من لا يعرف بوجود اختبار يرسب فيه، وستعتبر الصمت دليلاً. بدلاً من ذلك قدّم عرضاً واضحاً وخفيف الضغط يتطلب من الطرف الآخر أن يبادر بشيء.
متى أتراجع عن صداقة أحادية الجانب؟ حين لا يظهر أي تحرك تلقائي خلال ثلاثة أشهر، ولا يُتابَع عرضك الواضح، وتشعر بعد كل رسالة بأنك أصغر. عندها أعد توجيه جهدك بهدوء نحو من يبادرون نحوك، دون مواجهة أو قطيعة.
هل أنت مستعد لبدء المحادثة؟
جرب YaraCircle - الطريقة الأكثر أماناً للتعرف على أصدقاء جدد.